الغزالي
52
إحياء علوم الدين
والتراب فراشك ، والدود أنيسك ، والفزع الأكبر بين يديك ؟ أما علمت يا نفس أن عسكر الموتى عندك على باب البلد ينتظرونك ، وقد آلوا على أنفسهم كلهم بالأيمان المغلظة أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك معهم ؟ أما تعلمين يا نفس أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا يوما ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم ، وأنت في أمنيتهم ، ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لاشتروه لو قدروا عليه ، وأنت تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة ؟ ويحك يا نفس ، أما تستحيين ؟ تزينين ظاهرك للخلق ، وتبارزين الله في السر بالعظائم أفتستحيين من الخلق ولا تستحيين من الخالق ؟ ويحك أهو أهون الناظرين عليك ؟ أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل ؟ تدعين إلى الله وأنت عنه فارة ، وتذكَّرين باللَّه وأنت له ناسية ؟ أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة ؟ وأن العذرة لا تطهّر غيرها ؟ فلم تطمعين في تطهير غيرك وأنت غير طيبة في نفسك ؟ ويحك يا نفس ، لو عرفت نفسك حق المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك ويحك يا نفس ؟ قد جعلت نفسك حمار الإبليس يقودك إلى حيث يريد ، ويسخر بك ، ومع هذا فتعجبين بعملك وفيه من الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لكان الربح في يديك . وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وزللك ؟ وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة بعد أن عبده مائتي ألف سنة ؟ وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه نبيه وصفيه ويحك يا نفس ، ما أغدرك ويحك يا نفس ما أوقحك . ويحك يا نفس ، ما أجهلك وما أجرأك على المعاصي ! ويحك كم تعقدين فتنقضين ! ويحك كم تعهدين فتغدرين ويحك يا نفس ، أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير مرتحلة عنها ؟ أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا ؟ جمعوا كثيرا ، وبنوا مشيدا ، وأمّلوا بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا ، وبنيانهم قبورا ، وأملهم غرورا ويحك يا نفس أما لك بهم عبرة ؟ أما لك إليهم نظرة ؟ أتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من المخلدين ؟ هيهات هيهات . ساء ما تتوهمين . ما أنت إلا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك . فابني على وجه الأرض قصرك . فإن بطنها عن قليل يكون قبرك . أما تخافين إذا بلغت النفس منك الترافى أن تبدو رسل ربك منحدرة إليك بسواد الألوان